ألا يحق لنا أن نفخر بتخصصنا ؟ !
في الحقيقة .. لا أحب كثيراً أن أقف موقف المدافع لا عن شخصي ولا عن فكرة اعتقدها .. لا لشيء سوى أني أرى أن الفكرة الواضحة الصريحة التي تتحرى الحق منهجاً ليست بحاجة لمدافعٍ ومنافحٍ يستنفذ طاقته ويمضي سحابة ليله ونهاره في قضيةٍ هي برأيي قضية وقت لا أكثر . لا سيما أن مواقف ردود الأفعال لا تسلم في الغالب من أن تتأثر بمواقف الأفعال نفسها فيكسبها ذلك ضعفاً ما كان أغناها عنه !
اللهم إلا ما كان جزءاً من عقيدتنا الإسلامية والتي نتعبد لله بالدفاع عنها والاستماتة في سبيلها ، إنما أعني المواقف الشخصية التي يسعني وغيري أن نختلف فيها ولكن لا يسعنا بحال أن نسمح لها بأن تقصينا خارج حدود دائرة الأخوة والألفة .
ومع هذا كله .. فإنك أحياناً تجد نفسك مضطراً لأن تقف موقف المدافع ، وذلك عندما تخشى أن تؤثر هذه المواقف المناوئةَ لفكرتك أو مبدئك ليس على قناعتك أنت بها ، إنما على مواقف الآخرين ، الؤيدين منهم والمحايدين ، ليس لأنك فقط ترغب في تكثير سواد الملتفين حول هذه الفكرة ، إنما لخوفك أن تحرم أعدادٌ كثيرةٌ من الخير الذي تحمله فكرتك بسبب أمثال هذه المواقف المناوئة .
وهذا هو بالتحديد ما يحملني على الكتابة الآن ويجشمني عبء الدفاع عن قسم الثقافة الإسلامية ، الموقف الذي أملاه علي واقع النظرة السلبية – لدى البعض وليسوا قلة – تجاه منسوبي هذا القسم .
ولست الآن بصدد بيان أهمية الثقافة الإسلامية وما تقدمه للفرد والمجتمع من حصانةٍ عقديةٍ وفكريةٍ وسلوكيةٍ وبناءٍ للشخصية المتميزة وصقلٍ للهوية الإسلامية وتجليةٍ لموقف الإسلام من القضايا المعاصرة بشقيه التشخيصي والعلاجي ، لست بصدد هذا – رغم أهميته – بقدر ما أنا بصدد تقويم فكرة وتثقيف سلوك !
إنه يتحتم علينا أن ننظر إلى العلوم الإسلامية بشتى مجالاتها من فقه وعقيدة وأصول وثقافة وغيرها ، بل وحتى العلوم الطبيعية والإنسانية على أنها تدور كلها في فلك التكامل وليس التضاد ! ، وأن الشرف الذي لا يجهله أحد لعلوم الفقه وأصوله والعقيدة والتفسير وغيرها لا يعني بحال أن بقية العلوم ليس لها حظٌ ولا نصيبٌ من هذا الشرف ! ، بل إن شرف كل مسلم أن يكون في نفسه لبنةً صلبةً تسد ثغرةً ، وتحمي ظهراً ، وتحمل هماً ، وتقدم نتاجاً أيا كان موقعه في المقدمة كان أو في الساقة . وكما نحتاج إلى فقيه يعلمنا فقه عباداتنا ، ومفسرٍ يفسر لنا آي كتابنا ، ومحدثٍ يذب عن سنة نبينا فإننا بحاجة إلى مثقفٍ واع ، وداعيةٍ مستبصر .. يعلمنا فقه واقعنا .. يغذي عقولنا بفكرٍ مستنيرٍ من مشكاة الوحي ويدفع عنها غائلة الغارات الفكرية الآثمة ، ليضمن للأمة سلامة سيرها .. ويحفظ لها أصالتها وهويتها .. يربي عقول أبنائها كما تربى الفلوة حتى تصبح غداً جواداً مضمراً يغير في سبيل الله فيحرر أرضاً ويصد عدواً .
قل مثل ذلك عن حاجتنا لطبيبٍ مسلم ومهندسٍ مسلم وغيرهم ممن لا غنى للمجتمع عنهم .
ومن ذا الذي يستطيع أن يزعم أن بمقدوره إقامة مجتمع رصين متماسك قوي قوامه فقيهٌ ومفسرٌ ومفتٍ ومحدثٍ فقط ! ، بل من ذا الذي يستطيع أن يزعم أن بمقدور واحد من هؤلاء أن يستغني عن العلم بواقعه والإحاطة بأحداث عصره ؟ !
أفبعد كل هذا البيان .. ألن يسمح لنا إخواننا و أخواتنا في الأقسام الأخرى أن نفخر بتخصصنا ؟!
بقلم أختكم / منال الخميس