عندما نتتبّع مؤتمرات ومواثيق الأمم المتّحدة نجد أنّ المساواة من أولى أهدافها ومن أهمّ مقاصدها، وقد نصّت المادّة الأولى في الفصل الأول من ميثاق الأمم المتّحدة والنظام الأساسي لمحكمة العدل الدوليّة الصادر في مدينة سان فرانسيسكو في 26 حزيران \يونيو 1945م على أنّ من مقاصد الأمم المتّحدة :
1. إنماء العلاقات الودّيّة بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب، وبأن يكون لكلّ منها تقرير مصيرها، وكذلك اتخاذ التدابير الأخرى الملائمة لتعزيز السلم
2. تحقيق التعاون الدوليّ على حلّ المسائل الدولية ذات الصبغة الاقتصاديّة، والاجتماعيّة، والثقافيّة، والإنسانيّة، وعلى تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريّات الأساسيّة للناس جميعاً، والتشجيع على ذلك إطلاقاً بلا تمييز بسبب الجنس، أو اللغة، أو الدين، ولا تفريق بين الرجال والنساء.
ومن مواثيق ومؤتمرات الأمم المتّحدة التي نصّت على المساواة ما يلي[1]:
1. الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان الصادر في 10 كانون الأول/ ديسمبر 1948م، وقد نصّ على المساواة بين إنسان وآخر في الكرامة، وقد جاء في المادّة الأولى من هذا الإعلان أن ” يولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق، وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضاً بروح الإخاء. ” ونصّت المادة الثانية على أن ” لكلّ إنسان حقّ التمتّع بجميع الحقوق والحريّات المذكورة في هذا الإعلان، دونما تمييز من أي نوع، ولا سيّما التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسيّاً وغير سياسيّ، أو الأصل الوطنيّ أو الاجتماعيّ، أو الثروة، أو المولد، أو أيّ وضع آخر.”
أمّا المادّة السادسة عشر فقد نصّت على أنّ الرجل والمرأة متساويان في الحقوق لدى التزوّج، وخلال قيام الزواج ولدى انحلاله.
” للرجل والمرأة متى أدركا سن البلوغ حقّ التزوج وتأسيس أسرة، دون أيّ قيد بسبب العرق أو الجنسيّة أو الدين. وهما متساويان في الحقوق لدى التزوّج، وخلال قيام الزواج ولدى انحلاله.”
2. الاتفاقية الخاصّة بمكافحة التمييز في مجال التعليم الصادر في 14 كانون الأول/ديسمبر 1960م ،وجاء في المادّة الأولى منها مانصه ” تعني كلمة “التمييز” أي ميّز أو استبعاد أو قصر أو تفضيل على أساس العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسيّاً، وغير سياسيّ، أو الأصل الوطنيّ، أو الاجتماعيّ، أو الحالة الاقتصاديّة، أو المولد، يقصد منه أو ينشأ عنه إلغاء المساواة في المعاملة في مجال التعليم أو الإخلال بها”
3. إعلان الأمم المتّحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري الصادر في في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 1963م، حيث أكّد هذا الإعلان في موادّه على المساواة بين البشر دون تمييز بسبب العرق، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، وأنّ التمييز بينهم يعتبر إهانة للكرامة الإنسانيّة.
وقد نصّت المادّ ة الأولى من هذا الإعلان على ” يمثل التمييز بين البشر بسبب العرق، أو اللون، أو الأصل الاثني إهانة للكرامة الإنسانيّة، ويجب أن يدان باعتباره إنكاراً لمبادئ ميثاق الأمم المتّحدة، وانتهاكا لحقوق الإنسان وللحريات الأساسية المعلنة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وعقبة دون قيام علاقات ودّية وسلميّة بين الأمم، وواقعاً من شأنه تعكير السلم والأمن بين الشعوب”
ونصّت المادّة السابعة على ” لكلّ إنسان حقّ في المساواة أمام القانون وفي العدالة المتساوية في ظل القانون. ولكلّ إنسان – دون تمييز بسبب العرق أو اللون أو الأصل الاثني- حقّ في الأمن على شخصه، وفي حماية الدولة له من أيّ عنف أو أذى بدنيّ يلحقه، سواء من الموظفين الحكوميين أو من أيّ فرد أو أيّ جماعة أو مؤسّسة.”
وبعد هذا الإعلان صدرت الاتفاقية الدوليّة للقضاء علي جميع أشكال التمييز العنصري الصادرة في21 كانون الأول/ديسمبر 1965م، وقد أكّدت هذه الاتفاقيّة ماورد في الإعلان الذي سبق، وقد جاء في المادّة الأولى تعريف التمييز العنصري “يقصد بتعبير (التمييز العنصري) أيّ تمييز، أو استثناء، أو تقييد، أو تفصيل يقوم علي أساس العرق، أو اللون، أو النسب، أو الأصل القوميّ أو الاثنيّ، ويستهدف أو يستتبع تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسيّة أو التمتّع بها أو ممارستها، على قدم المساواة في الميدان السياسيّ، أو الاقتصاديّ، أو الاجتماعيّ، أو الثقافيّ، أو في أي ميدان آخر من ميادين الحياة العامّة”
4. وكذلك العهد الدوليّ الخاصّ بالحقوق المدنيّة والسياسيّة الصادر في 16 كانون \ديسمبر 1966م، حيث أكّد هذا العهد على المساواة، ونصّت الفقرة الأولى من المادّة الرابعة عشر ” الناس جميعاً سواء أمام القضاء، ومن حقّ كلّ فرد، لدى الفصل في أيّ تهمة جزائيّة توجّه إليه، أو في حقوقه والتزاماته في أيّ دعوى مدنيّة، أن تكون قضيّته محل نظر منصف وعلنيّ من قبل محكمة مختصّة مستقلّة حياديّة، منشأة بحكم القانون”
وبالنظر إلى ماسبق، يتبيّن لنا أنّ مفهوم المساواة عند الأممّ المتّحدة هو” المساواة أمام القانون، أي من ناحية الحقوق والواجبات، والمشاركة في الامتيازات والحماية، دون تفضيل بسبب العرق، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي – سياسيّاً أو غير سياسيّ -، أو الأصل القوميّ أو الاجتماعيّ، أو الثروة، أو النسب، أو غير ذلك من الأسباب.”[2]
المرأة والمساواة :
لقد اهتمّت الأمم المتّحدة بالمساواة المطلقة بين الرجل والمرأة، وعقدت اتفاقيّات ومؤتمرات موضوعها الأساس (المساواة بين الجنسين )ومن ذلك مايلي :
1. اتفاقيّة بشأن الحقوق السياسيّة للمرأة الصادر في 20 كانون الأول /ديسمبر 1952م، حيث أكّدت على المساواة بين المرأة والرجل في التصويت والانتخاب، وتقلّد المناصب العامّة للدولة ونصت المادة الأولى والثانية والثالثة من الاتفاقية على ذلك.
2. إعلان القضاء علي التمييز ضدّ المرأة الصادر في 7 تشرين الثاني/نوفمبر 1967م ،ويؤكد هذا الإعلان بمواده الإحدى عشر على المساواة التامّة والمطلقة بين الرجل والمرأة في جميع المجالات السياسيّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة، وأخذ التدابير المناسبة لإلغاء أيّ قوانين تشكّل تمييزاً ضدّ المرأة.
ونصّت المادّة الأولى من الإعلان على “ أنّ التمييز ضدّ المرأة، بإنكاره أو تقييده تساويها في الحقوق مع الرجل، يمثّل إجحافاً أساسيّاً ويكون إهانة للكرامة الإنسانيّة”
ونصّت المادّة الثانية على أن ” تتخذ جميع التدابير المناسبة لإلغاء القوانين، والأعراف، والأنظمة، والممارسات القائمة التي تشكّل تمييزاً ضدّ المرأة، ولتقرير الحماية القانونيّة الكافية لتساوي الرجل والمرأة في الحقوق وخصوصاً:
(أ) ينصّ علي مبدأ تساوي الحقوق في الدستور، أو يكفل قانوناً على أي صورة أخرى.
(ب) يصار في أسرع وقت ممكن إلى تصديق الصكوك الدوليّة الصادرة عن الأمم المتّحدة والوكالات المتخصّصة والمتعلّقة بالقضاء على التمييز ضدّ المرأة، أو الانضمام إليها، وإلى تنفيذها على وجه التمام.”
3. اتفاقيّة القضاء على جميع أشكال التمييز ضدّ المرأة الصادر في 18 كانون الأول/ديسمبر 1979م، وهي تأكيد للإعلان السابقن، وبيّنت المادّة الأولى من الاتفاقيّة معنى التمييز ضد المرأة ” لأغراض هذه الاتفاقية يعنى مصطلح “التمييز ضدّ المرأة” أيّ تفرقة، أو استبعاد، أو تقييد، يتمّ على أساس الجنس ويكون من آثاره أو أغراضه توهين أو إحباط الاعتراف للمرأة بحقوق الإنسان والحريات الأساسية في الميادين السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، أو في أيّ ميدان آخر، أو توهين أو إحباط تمتّعها بهذه الحقوق أو ممارستها لها، بصرف النظر عن حالتها الزوجيّة، وعلى أساس المساواة بينها وبين الرجل.”
4. المؤتمر العالميّ لعقد الأمم المتحدة للمرأة المساواة والتنمية والسلم في كوبنهاجن الصادر في 1980م
وقد فسّرت المساواة بين الرجل والمرأة بـ “تفسّر المساواة هنا على أنّها لا تعني فقط المساواة القانونية، والقضاء على التمييز القانوني، ولكنّها تعني أيضا المساواة ً في الحقوق والمسؤوليات والفرص المتعلّقة باشتراك المرأة في التنمية، بوصفها مستفيدة، وبوصفها فاعلة نشطة على حد السواء. وقضية عدم المساواة بوصفها تمسّ السواد الأعظم من النساء في العالم، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمشكلة التخلّف التي يعود وجودها أساساً إلى نظام اقتصاديّ عالميّ مجحف. وتحقيق المساواة يستلزم المساواة في فرص الحصول على الموارد وسلطة الاشتراك على قدم المساواة، وبفعاليّة في توزيعها، وفي اتخاذ القرارات على شتّى المستويات. ومن ثم يجب التسليم بأنّ تحقيق المساواة للنساء اللواتي طالما تضررن قد يتطلب القيام بأنشطة تعويضية لتصحيح المظالم المتراكمة. ولا بدّ من إعادة تأكيد المسؤوليّة المشتركة التي يتحمّلها الرجل والمرأة من أجل رفاهيّة الأسرة على العموم، ورعاية الأطفال على الخصوص”[3]
5. للمؤتمر العالميّ الرابع المعنيّ بالمرأة المنعقد في بيجين خلال الفترة 4-15 أيلول/سبتمبر 1995م، وتناول المؤتمر مساواة المرأة بالرجل بشكل موسّع، “وكان التأكيد على هذه القضيّة في أكثر فصول هذا المؤتمر ومباحثه الفرعيّة، كتطبيق عمليّ للموضوعات المتعلّقة بحياة المرأة.”[4]